الرئيسية > دراسة > طبع قدم انسان بدائي أم خدعة من فعل الطبيعة

طبع قدم انسان بدائي أم خدعة من فعل الطبيعة

خمسة مستكشفين هواة، كانوا يسيرون في السرير النهري لآحد الأودية النهرية في سلسلة الجبال الساحلية في سورية “منطقة الحفة” بتاريخ 6/2/2010م ، هناك عثروا على إحدى الصخور منجرفة إلى مجرى النهر وفيها بدا لهم كما ولو كان طبع لقدم إنسان سالف حيث ميزوا فيه خمس تجاويف تشبه تجاويف أصابع القدم مرتبة من الكبير إلى الصغير تتقدم تجويفاً أكبر وأعمق يأخذ شكل المشط والكعب.

فهل من الممكن أن يكون طبعاً حقيقياً؟  أم أنه رسم من فعل الطبيعة رسمته بطريق المصادفة ليكون شبيهاً بقدم الأنسان؟ سيشكل الطبع المكتشف دفعاً كبيراً للجهود التي يبذلها علماء الأنتربولوجيا في منطقة الشرق الأوسط وسورية بالأخص في حال ثبت بالفعل أنه ناتج عن نشاط انسان سالف وفي هذا السياق تبرز عقبات كثيرة يجب علينا التأكد منها في اتجاهات متعدده أهها استراتغرافية وتشريحية وجيومورفولوجية

من الناحية التشريحية لايمكن اعتبار هذا الشكل طبعاً لقدم انسان معاصر أو سالف إلا إذا تجاهلنا التشويه المرافق له ويأتي التشويه هنا على شكل تجاويف أخرى أعمق تقع على خط مستقيم يمر موازياًً لإتجاه (أمام- خلف) من تلك القدم. أما غير ذلك فيتطابق هذا التشكيل مع القدم اليمينية لإنسان معاصر فتي بعمر 15 سنة وهو أيضاً قريب من أجناس أسلاف الإنسان الحالي فيمكن مثلاً أن تكون قدماً لإنسان النياندرتال (العملاق) أو حتى الهوموإيريكتوس (قصير القامة) وبالتالي يختلف العمر الموافق لقياس هذه القدم باختلاف حجم الجسم لكل جنس من هذه الأجناس.

تُؤرخ المنطقة التي نقل منها الصخر الحامل للإنطباع من الناحية الستراتغرافية فترة الكريتاسي الأعلى والباليوجين، وهذا الأمر ينطبق على الصخر الحامل للإنطباع إذ أن الإنطباع موجود على صخر كلسي مدلمت ومن المعروف أن صخور الدولوميت في سورية تتوضع في طبقات الصخر العائدة للحقب الثاني (كريتاسي- جوراسي- ترياسي) وهو أمر يتعارض مع فكرة أن يكون هذا الإنطباع قد تشكل نتيجة نشاط الانسان البدائي إذ لم يظهر أقدم أسلاف الإنسان المنتصب إلا قبل 2.5مليون سنة ولم يثبت وجوده في سورية بأبعد من مليون واحد. فهل من الممكن أن يكون هذا الشكل انطباع لقدم انسان بدائي؟ وكيف حدث أن انغرزت تلك القدم في صخور أقدم منها بما يقارب خمسين مليون عام؟ إن الإجابة على هذا السؤال ترتبط بعناصر متعددة أهمها جيومورفولوجية المكان، و تاريخ ظهور الإنسان في تلك المنطقة لكن الامر الذي يحسم الشك هو تحديد دقيق لزمن تبلور الصخر من خلال أحد طرائق تحديد العمر المطلق المتبعة في هذا المجال

كهوف في منطقة قريبة للطب.

جيومورفولوجية المكان:

يقع الوادي النهري الذي عثر على الأنطباع فيه على بعد 10 كم إلى الشرق من بلدة الحفة وتحيط بالوادي جروف صخرية عالية عائدة زمنياً لفترة “الكريتاسي الأعلى” مؤلفة من طبقات صخور كلسية ومارنية ودولوميتية وهي تحوي تكهفات كارستية متعددة تتكشف على جنبات الوادي تشكلت في زمن لاحق لزمن تشكل الصخر حدثت فيها عمليات انحلال وإعادة ترسيب كيميائب بتراكيب وبنى بلورية وفلزية مختلفة يمكن لهذه الكهوف أن تكون مكاناً نموذجياً لحياة الإنسان السالف، سواء لناحية حجمها الكبير أو لتوفر مقومات الحياة فيها،  فإضافة إلى المأوى تحوي هذه التكهفات على المياه الجوفية التي تشكل دافعاً أساسياً للكائنات الحية للورود إليها. هذه المياه هي المسؤلة عن نشوء حادثة الكرستة التي كونت هذه الكهوف وهي كهوف تميز التكوينات الصخرية الألبية وتكوينات الجبال المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط بشكل عام.

طبيعة الصخر الحامل للإنطباع: إن الصخر الحامل للإنطباع صخر كلسي مدلمت منقول بفعل الحت المائي من مكانه الأصلي لما يقارب 5-10 كم ومتوضع في السرير النهري لنهر موسمي يجف في أغلب أوقات السنة. والدولوميت صخر لاحق التشكل ينتج عن إحلال عنصر المغنيزيوم في الصخور الكلسية . وتختلف ظروف الدلمتة من صخر لآخر ومن وسط لآخر فالصخور الدولوميتية صخور متحولة لكنها لاتشبه الصخور المتحولة الأخرى في شيء فهي لاتحتاج للحرارة أو الضغط لكي تتحول بل يمكن أن تنشأ حادثة الدلمتة في الكهوف الكارستية حيث يتعرض الصخر الأم –بوجود المياه- لإعادة إنحلال جزئي وبوجود شوارد المغنيزيوم في ظروف طبيعية من الحرارة والضغط يتحول الحجر الكلسي CaCO3إلى دولوميت (Mg,Ca)CO3. أشكال أخرى من الدلمتة تحدث في ظروف أخرى لا داع لذكرها الأن. ومهما تكن ألية الدلمتة فإنها لا تعاصر الترسيب بل أنه لم يصادف حتى الأن أي عملية دلمتة معاصرة للترسب. ويمكن لنا على سبيل المثال أن نجد صخراً دولوميتياً متبلوراً في النيوجين ضمن مجموعة رسوبية عائدة للكريتاسي أو الجوراسي ولا يعود تحديد العمر النسبي مهماً في هذه الحالة إذ لابد من قياس العمر بواسطة طرائق تحديد العمر المطلق كنظائر الكربون وغيرها وهنا يحتم علينا الرجوع إلى التحليل المخبري.

لماذا نعتقد بأنها قد تكون قدم إنسان سالف؟

إضافة لمطابقتها الكاملة لقدم الإنسان من الناحية التشريحية فإن الشرق الأوسط بصفته حلقة للوصل ومعبراً إجبارياً بين إفريقيا وباقي العالم يوفر ظروفاً مثالية لحياة الإنسان السالف على الرغم من أن هذه البقعة من الأرض لم تنل نصيباً وافراً من البحث الأحفوري كما حدث في الصين وأوربا وجاوا وفلسطين المحتلة إلا أن أن آثاراً أو بقايا عضوية يتم اكتشافها بين الحين والآخر تؤكد أن هذه المنطقة غنية أكثر من أي مكان آخر بشواهد على حياة ما عاشها أسلاف الإنسان الأوائل هنا.

هل من الممكن أن يكون هذا التشكيل خدعة من فعل الطبيعة؟

للطبيعة معجزات كثيرة فقد نجحت في تقليد عدد كبير من الأشكال نتيجة لعوامل متعددة كالحت الريحي أو نتيجة الإنحلال والترسيب المائي أو غيره فيعطي الصخر أشكال متعددة قد تكون شبيهة لشيء أو لكائن نعرفه كالإنسان مثلاً أو قد تشبه شيئاً من أعضائه ويحق لنا أن نطلق في هذه الحالة على هذه الأشكال اسم “خدع الطبيعة” لكن خدع الطبيعة لاتتكون بشكل شديد التطابق خاصة ان كان الشكل الأصل شديد التعقيد اذ أننا يمكن أن نجد صخوراً تشبه البيضة ولكننا لا نستطيع أن نجد صخوراً تشبه الطائر الذي يخرج من البيضة لأن جسده يكون أكثر تعقيداً، وإن حدث ذلك فسيكون بحجم لا يتطابق مع الحجم الحقيقي لذلك الطائر. هنا تلعب البنية البلورية والتركيب الكيميائي دوراً حاسماً في الحكم على مصدر الشكل وفي حالتنا تمحي الدلمتة أي أثر لمستحاثات تشكلت في وقت معاصر لترسيب الصخر الأصل (الزمن الموافق للعمر الستاتغرافي للصخر) والدولوميت أكثر مقاومة للعوامل الجوية مقارنة من الكلس اذ أنه أقل إنحلالاً بالماء ومع ذلك فهو ينحل في ظروف شديدة الخصوصية كالتي ذكرناها في الكهوف الرطبة وهي نقطة لابد ان نتوقف عندها قبل أن نستبعد أن يكون هذا الشكل حقاً من فعل قدم انسان سالف

نتيجة: إن ما عثرنا عليه هو شكل قيد الدراسة يحتاج لمزيد من الجهد كما يحتاج لتحليل مخبري وأياً تكن النتائج فلا يجب علينا أن نغفل تلك الكهوف الموزعة على جانبي كل وادي نهري هناك، ولها أن تنال حقها من البحث الآثاري أو التنقيب الجيولوجي عن أثار منتظرة لنشاط انسان سالف لدينا عل المعطياة لكي نؤمن بأن سلالاته عاشت في هذه المنطقة لما يزيد عن مليون سنة خلت.

About these ads
التصنيفات:دراسة

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: